سيد محمد طنطاوي
82
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
الدين ، فهلا سأل العلماء عن صحف موسى وإبراهيم - عليهما السلام - ففيها أنه لا تحمل نفس آثمة حمل أخرى يوم القيامة . قال الآلوسي : وقوله : * ( أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ) * أي : أنه لا تحمل نفس من شأنها الحمل ، حمل نفس أخرى . . ولا يؤاخذ أحد بذنب غيره . ليتخلص الثاني من عقابه . ولا يقدح في ذلك قوله صلى اللَّه عليه وسلم : « من سن سنة سيئة فعليه وزرها ، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة » فإن ذلك وزر الإضلال الذي هو وزره لا وزر غيره « 1 » . وقوله - تعالى - : * ( وأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى . . . ) * معطوف على ما قبله ، لبيان عدم إثابة الإنسان بعمل غيره ، إثر بيان عدم مؤاخذته بذنب سواه . أي : كما أنه لا تحمل نفس آثمة حمل نفس أخرى ، فكذلك لا يحصل الإنسان إلا على نتيجة عمله الصالح ، لا على نتيجة عمل غيره . فالمراد بالسعي في الآية . السعي الصالح ، والعمل الطيب ، لأنه قد جاء في مقابلة الحديث عن الأوزار والذنوب . وقوله - تعالى - : * ( وأَنَّ سَعْيَه سَوْفَ يُرى . ثُمَّ يُجْزاه الْجَزاءَ الأَوْفى ) * بيان لثمرة هذا السعي الصالح يوم القيامة . أي : ليس للإنسان إلا ثمرة عمله الصالح بدون زيادة أو نقص ، وهذا العمل الصالح سوف يراه مسجلا أمامه في صحف مكرمة ، وفي ميزان حسناته ، ثم يجازيه اللَّه - تعالى - عليه الجزاء التام الكامل . الذي لا نقص فيه ولا بخس . وفي رؤية الإنسان لعمله الصالح يوم القيامة ، تشريف وتكريم له ، كما قال - تعالى - يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ والْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وبِأَيْمانِهِمْ ، بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهارُ ، خالِدِينَ فِيها ، ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ « 2 » . هذا ، وقد توسع العلماء في الجمع بين قوله - تعالى - : * ( وأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى ) * وبين النصوص التي تفيد أن الإنسان قد ينتفع بعمل غيره ، وهذه خلاصة لأقوالهم : قال الإمام ابن كثير : ومن هذه الآية استنبط الشافعي ومن اتبعه ، أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى . لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم ، ولهذا لم يندب إليه رسول اللَّه
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 27 ص 66 . ( 2 ) سورة الحديد آية 12 .